هل عادت أمريكا للخلط بين الدين والدولة؟
هل عادت أمريكا للخلط بين الدين والدولة؟

هل عادت أمريكا للخلط بين الدين والدولة؟

مقدمة

نعلم جميعا بأن فصل الدين عن الدولة في المجتمعات الأوروبية حدث نتيجة لظروف تاريخية تمثلت في هيمنة الكنيسة المسيحية على مفاصل الدولة في العصور الوسطى، وما نتج عن ذلك من تصادم مع السلطة المدنية لحكام وملوك أوروبا آنذاك. ومن ثم مع المفكرين العلمانيين الذين انحازوا إلى جانب السلطة المدنية في مواجهة السلطة الدينية للكنيسة وطغيان الفكر الفلسفي العلماني، الذي جعل من فصل الدين عن الدولة من أهم المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة وفقا لنظرية (العقد الاجتماعي) القائمة على تنظيم العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم، حتى أصبح فصل الدين عن الدولة من القضايا المسلّم بها في الفكر السياسي الغربي.

ثم بعد هيمنة الاستعمار الغربي على العالم الإسلامي وانتقاصه من أطرافه إثر هدم دولة الخلافة على أيدي مجرم العصر مصطفى كمال أتاتورك الذي كان سباّقا في تركيز النموذج الغربي في الحكم وبناء الدولة العلمانية الحديثة على أنقاض دولة الإسلام، عملت الدول الغربية على تقويض فكرة الحكم بما أنزل الله عبر نشر الأفكار العلمانية في المجتمعات المسلمة وفرض النظام الديمقراطي الذي يضمن هذا الفصل التام بين الدين والدولة على شعوب الأمة الإسلامية بما يخالف ويناقض عقيدتها وأحكام دينها ويلغي كل الأحكام المتعلقة بالاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الداخلية والخارجية ويحصر الإسلام في بضعة طقوس روحية، لتُقدَّمَ العلمانية جبرا وقهرا عبر أبواق الأنظمة العميلة على أنها الوسيلة الأفضل للرقي والتقدم الحضاري لا سيما بين الطبقات المتعلمة، حتى صارت تُفرض من قبل الحكام الطغاة بالحديد والنار. ولكن قرنا من الزمان كان كافيا لترى من خلاله الأمة أن العلمانية لم تقدم لها أي شيء يذكر على جميع الأصعدة والمستويات، بل لتكتشف بأن هذه الأنظمة العلمانية هي سبب تأخرها وتخلفها عن ركب الحضارة، وأن ابتعادها عن دينها قد جلب لها الويلات وأوصلها إلى حالة من الضنك والشقاء. فهل حافظ الغرب على علمانيتهالتي يصر على تصديرها إلى شعوبنا أم أنه يخلط هو الآخر بين “الدين” والدولة في الوقت الذي يدعو فيه إلى ضرورة الفصل بينهما؟

أمريكا، والتناقض الإيديولوجي

لقد حرص الرئيس الأمريكى”جو بايدن”غداة تنصيبه يوم 20 جانفي 2021، على الصلاة في كنيسة القديس ماثيو أو متى الإنجيلي، قبل التوجه لمبنى الكونجرس لأداء اليمين الدستورية، وهي عادة يتبعها كل رئيس جديد مُنتخب للولايات المتحدة، منذ عام 1933، حيث أدى الرئيس فرانكلين روزفلت الصلاة في كنيسة «سانت جون» قبل مراسم تنصيبه كرئيس للولايات المتحدة، ويشارك في القداس نائب الرئيس المنتخب والوزراء.

إن كاتدرائية القديس ماثيو الرسول المعروفة بكاتدرائية القديس ماثيو، التي حرص زعيم أمريكا الجديد “جو بايدن” على آداء الصلاة فيها، هي مقر رئيس أساقفة رئيس أساقفة الروم الكاثوليك في واشنطن. هذه الكنيسة، هي موطن لسرداب الأساقفة، وهو مكان يرتاح فيه رجال الدين الكاثوليك البارزين.

وقد كانت هذه الكنيسة شاهدة على لحظات مهمة، حيث كانت مكان الصلاة على جثمان الرئيس الأمريكي السابق، جون ف. كينيدي، أول رئيس كاثوليكي، بعد اغتياله في عام 1963.

كما أقيمت بالكنيسة أيضًا مراسم جنازة رئيس القضاة الراحل ويليام رينكويست عام 2005. ثم زارها البابا فرانسيس عام 2015، لإلقاء عظة دعا فيها أساقفة الولايات المتحدة إلى رفض اللغة القاسية والمثيرة للانقسام.

هذا فضلا عن استضافتهاللـ«القداس الأحمر» المرموق كل عام، وهو قداس يُقام يوم الأحد الأول من شهر أكتوبر للمحامين والقضاة.

وهكذا، نرى أن هناك خلطا واضحا بين الدين والدولة في أمريكا، وأن كبرى الكنائس تشكل ملجأ للقادة والزعماء، ومكانا يجمع قاصديه في كبرى المناسبات السياسية، وأن أكثر اللحظات قوة لدى رجال السياسة في أمريكا تتزامن مع أشد اللحظات ضعفا واستحضارا للبعد الديني وبحثا عن بدائل روحية ومصادر استلهام للقوة.

ولم يعد الأمر مجرد نزعة شخصية ذاتية تحرك قائدا أو زعيما سياسيا بعيدا عن عدسات الكاميرا، بل صار الأمر مألوفا لدى الشعب الأمريكي، وصارت صلاة الرئيس واستدعاءه للبعد الروحي والديني في أمريكا حدثا له صداه عبر الإعلامالمحلي والدولي، حيث تناقلت مختلف وسائل الإعلام عبر العالم ضمن بث مباشرصلاة الرئيس “بايدن” في كنيسة القديس ماثيو أو متى الإنجيلي، قبل التوجه لمبنى الكونغرس أينيقسم كل عضو فيه على كتابه المقدس دون أن يثير ذلك أي ضجيج اعلامي أو استهجانا واتهاما لأحد باستغلال الدين لغايات سياسية أو دعشنة الكونغرس، كما يحدث في غالب الأحيان عبر أبواق إعلامنا الرسمي حين يتصل الأمر بدين الإسلام.

بل لا نغالي إن قلنا إن بعض الأبواق الدعائية في بلاد الإسلام قد انتقدت واستهجنت استغلال الرئيس “ترامب” لكنيسة القديس يوحنا القريبة من البيت الأبيض وقسمه على الإنجيل من أجل امتصاص غضب الشارع الأمريكي على إثر حادثة قتل “جورج فلويد” العنصرية، أكثر من انتقاد واستهجان وسائل الإعلام الأمريكية نفسها، وكأنها تريد أن تؤكد لأسيادها في الغرب بأنها أشد علمانية وحرصا على فصل الدين عن الدولة من أرباب العلمانية أنفسهم.

وهكذا، نجد أن أكثر البلدان تشدقا بالحرية والديمقراطية والعلمانية، غارقة في الخلط والمزج بين الدين والدولة، وأن من صدعوا آذاننا بضرورة فصل الدين عن الدولة في الدستور وعدم إقحامه في العمل السياسي، هم من يقسمون على الإنجيل عند وضع دساتيرهم، ويتمسحون على أعتاب الكنائس في كبرى المناسبات السياسية، وهذا لهو عين التناقض الواضح والفاضح. فماهي أسباب هذا الكيل بمكيالين؟

حتمية المواجهة والاعتراف

إن المردّ الأول لهذا الكمّ من التناقضات الصارخة في دول الغرب العلمانية التي انتشرت فيها موضة الأحزاب المسيحية، هو بطلان الفكرة الأساسية التي قام عليها النظام الديمقراطي، وهي فصل الدين عن الحياة ومنه عن الدولة، وهذه الفكرة لم تصدر نتيجة بحث في طبيعة الأشياء وحقائق الأمور، بل تم القفز على المشكل الأساسيالمتعلق بمن له أحقية الحكم والتشريع، ليُحسم الصراع بين الفلاسفة ورجال الدين بشكل تعسفي، لا لصالح الفكرة المطابقة للواقع، بل لصالح حل وسط بين الطرفين، انتصارا للأهواء لا للحق والحقيقية.

ومنذ ذلك الوقت الذي أُعلن فيه عن انبثاق نظام الحريات وعن الفصل النهائي بين الدين والدولة، ظل الغرب يعيش نشوة “النصر الوهمي” وينتصر لذاته ولفكرته ولحضارته الزائفة التي تناقض حقيقة هذا الوجود ولو بالخداع والتضليل الإعلامي للشعوب. بل ولو بفرض الديمقراطية والعلمانية بالدبابات والصواريخ.

وقد استطاعت رأس الكفر أمريكا أن تضرب مثالا للعالم في نشر الديمقراطية عبر القنابل العنقودية وصواريخ توماهوك، معلنة الخروج النهائي من حلبة الصراع الفكري، ومعبرة عن حالة مخزية من الانهزام النفسي أمام البديل الحضاري الذي يعتز بقيام دولة على أساس الدين وأيّ دين: إنّه الدين الإسلامي العظيم الذي ارتضاه خاق الكون والإنسان والحياة للناس أجمعين. قال تعالى: “إنّ الدّين عند الله الإسلام”.

إن سياسة الهروب إلى الأمام التي ينتهجها الغرب وعلى رأسه أمريكا، انتصارا لعقيدته ومبدئه، ولفكرة فصل الدين عن الدولة لن تنفعه في الوقت الذي يتمسح فيه بالنصرانية ويحارب فيه الإسلام، بل إنها تنبؤ بقرب انهيار الرأسمالية وأنظمتها العلمانية، وإنّ خيار المكابرة والعناد وعدم الاعتراف بأحقية الخالقبالحكم والتشريع لهو مدعاة لفقدان شعوب الغرب نفسها الثقة في هذا المبدأ الوضعي لتبحث لنفسها عن بدائل أخرى، تقنع عقلها وتوافق فطرتها وتحقق لها الطمأنينة وتملأ الفراغ الروحي الذي تعيشه اليوم نتيجة فرض الرأسمالية المادية، ولن تجد ذلك بإذن الله إلا في مبدأ الإسلام العظيم. وها نحن نرى كيف يتنادى الناس أفراد وجماعات في بلاد الغرب إلى دين الإسلام معلنين انضواءهم تحت راية التوحيد، قبل أن يكون للإسلام دولة.

فماذا لو كان لأمة الإسلام دولة تمثلهم وتحمل دعوة هذا المبدأ إلى شعوب العالم رسالة رحمة للعالمين؟

إنه لم يتبق للغرب سوى أن يعلن انهزامه أمام حضارة الإسلام الصاعدة، وأنه يسير على الباطل ويدافع عنه بقوة السلاح، وما حقبة الاستعمار وما تلاها من فرض أنظمة جبرية تقصي الإسلام من الحكم إلا دلائل إضافية على الاستماتة في نصب العداء للإسلام والمسلمين ومحاربة هذا الدين انتصارا لعقيدة الكفر وأنظمة الكفر التي ستزهق لا محالة بإذن الله. قال تعالى: “بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ” وقال سبحانه: “وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا”.

م. وسام الأطرش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

الشّهيد محمّد الدّغباجي, فارس الخلافة الذي ترجّل بسقوطها
ما من شكّ في أنّ ذاكرة الأمّة في تونس مثخنة بالجراح مثقلة بالهموم تتزاحم فيها من الأحداث الجسام بحلوها ومرّها ما هو كفيل بتأثيث أيّام السّنة عشرا...
في ذكرى العدوان الصليبي على العراق وذكرى المئوية لهدم الخلافة, بابا الفاتيكان في العراق, ماذا يريد؟
يصل بابا الفاتيكان رئيس الكنيسة الكاثولكية إلى العراق يوم 5\3\2021 في الذكرى الثامنة عشر للهجوم الصليبي على العراق في مثل هذا الشهر شهر آذار عام ...
في دولة الخلافة وحدها يجوع الحاكم ليشبع المحكوم
أفلت شمسها وغرق بعدها المسلمون في بحر ظلماته بعضها فوق بعض ألقاهم في قاعه حكام يرون في الحكم غنيمة تستحق أن يبيعوا من أجلها ذممهم ويفرطون في بلاد...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
في تونس ... أين الحكومة؟ أين الرئيس؟ أين البرلمان؟ بل أين الدّولة؟
في تونس … أين الحكومة؟ أين الرئيس؟ أين البرلمان؟ بل أين الدّولة؟

أين الحكومة؟  هكذا تساءل "حمّادي الجبالي" بعد أن تولّى رئاسة الحكومة في 2011، أمام عدسات الكاميرا تعليقا على سوء الرعاية،...

Close