وزير المالية: صندوق النقد الدولي سيراقب جميع أرقام البلاد.. هل مازلتم تسألون من يحكم تونس؟
وزير المالية: صندوق النقد الدولي سيراقب جميع أرقام البلاد.. هل مازلتم تسألون من يحكم تونس؟

وزير المالية: صندوق النقد الدولي سيراقب جميع أرقام البلاد.. هل مازلتم تسألون من يحكم تونس؟

الخبر:

أكد وزير الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار، محمد علي الكعلي، خلال الجلسة العامّة المخصصة لمناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2021، مساء الأحد 6 ديسمبر 2020 أن وفدا عن صندوق النقد الدولي سيكون في تونس الأسبوع القادم وسيقوم بالنظر في جميع أرقام البلاد، على أن ندخل بعد ذلك في نقاشنا معه، حسب ما بينه في رده على أسئلة النواب حول علاقة صندوق النقد الدولي بتونس.

وأضاف قوله، “هم متفائلون خيرا في تونس ويعلمون أن الظرف صعب جدا، ورغم ذلك الجميع يقف لتونس”.

التعليق:

لقد صوّر أغلب ساسة ما بعد الثورة صندوق النقد الدولي على أنه مركب إنقاذ البلاد متى تعرضت لأزمة اقتصادية حتى صار اسمه يبرز مع كل ميزانية يضعها هؤلاء الموكلون على إدارة شأن البلاد والذين من المفترض أنهم مستأمنون على أقوات أهله ومقدراتهم. ولكن حقيقتهم البائسة غارقة في وحل العمالة وخدمة رموز الاستعمار ومؤسساته والتبجح بذلك بلا حياء…

والحال أن الجميع يرى ويسمع بشكل يومي كيف يتاجر بهم من باعوا ذممهم وصاروا يجاهرون صراحة بالخيانة وباستدعاء المستعمرين من كل حدب وصوب ليراقبوا مدى امتثالهم للتوصيات والأوامر الموضوعة من قبل… ياله من عار مستفحل وملازم لحكم هؤلاء الرويبضات.

نقول وبشكل صريح ومباشر ان الغاية من هذه الزيارة ليس كما هو معلن عليه ولا كما هو متداول لدى نخب العمالة المرتبطة بتوجيهات خبراء الاقتصاد الرأسمالي المدمر, اذ لن يتم إبرام اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي بخصوص تمويلات جديدة، الا اذا نفذت الحكومة توصيات الصندوق واشتراطاته كاملة والتي وضعتها تحت عنوان “الإصلاحات الاقتصادية” والتي مازال بعضها معطّلا على غرار التقليص من كتلة الاجور وتوجيه استكمال مسار خوصصة المؤسسات العمومية وإخلاء الدولة من دوريها الرعائي تماما بتعلّة تقليص الإنفاق وتخفيض الأعباء…

فالدولة التي تتحصل على المعونة المالية تلتزم بمجموعة من الشروط المهينة التي يفرضها الصندوق، والتي تمس أهم القطاعات الأساسية في البلد، كتقليص الدعم عن المواد الأساسية، وزيادة الوعاء الضريبي، وتسريح العمال والموظفين، والخصخصة، هذا بالإضافة إلى تلك الشروط المتعلقة بالجانب الاجتماعي والتعليمي. كل هذا وجب التوقيع عليه من قبل المقترض، والالتزام به في بلد أصلا منهك ويعيش نزيفا من كل جانب؛ مما جعلها في وضع عسير وعلى كف عفريت؛ حيث أدت تلك الاجراءات وخاصة منها وقف الانتدابات والتقشف والترفيع في أثمان السلع الأساسية.. إلى اضطرابات داخلية كما حصل ويحصل في مختلف مناطق البلاد هذه الأيام. فالصندوق يتصرف باعتباره بنكًا مركزيًا دوليًا يتحكم في البنوك المركزية للدول ويدير سياساتها المالية والنقدية.

ومن المهم في هذا الصدد أن نذكّر بأهم الشروط التي وضعها صندوق النقد للتنفيذ من قبل الحكومات التونسيّة للحصول على القروض التي طلبتها. والتي وعد البنك المركزي وكل حكومات تونس بتنفيذها وساروا فيه ذلك أشواطا كبيرة, وهي التالية:

  • رسملة البنوك العمومية

  • تدعيم استقلالية البنك المركزي

  • الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص

  • مراجعة منظومة الدعم

  • التحكم في كتلة الأجور ونفقات التسيير والتصرّف العموميّة

  • المصادقة على مشروع مجلّة الاستثمار الجديدة

  • إصلاح القطاع البنكي والمؤسسات المالية

  • المصادقة على مشروع الإصلاح الجبائي

إن زيارة وفد صندوق النقد الدولي الى تونس هذه المرة تأتي من اجل محاسبة من يسوّق لهم في المنابر على أنهم وزراء وحكام, ولفرض شروط جديدة فوق تلك التي ذكرنا أعلاه, حيث سيطلب من الحكومة المشيشي اعادة هيكلة الميزانية على ضوء ما فرضه سابقا ويفرضه على الحكومات والاداريين في البلاد من رؤية لتقسيم الثروة -حسب المعايير الدولية المتفق عليها- وكيفية حيازتها ومن هو الأحق بحيازتها, الشعب أم الشركات الكبرى والتي أغلبها أجنبية, والتي يدعي ويحاول إقناع الحكومة بها, وهي أنها القادرة على تحقيق نسب نمو عالية من شأنها توفير مواطن الشغل بشكل خاص.

وكانت تونس قد تحصلت على قرض في شكل مساعدة من قبل صندوق النقد الدولي بقيمة 750 مليون دينار يتم خلاصه على خمس سنوات بثلاث سنوات امهال كبرنامج استثنائي للحد من تداعيات فيروس كورونا.

وللتذكير فان الصندوق لم يكمل تقديم المبلغ المتفق عليه كاملا والمقدر بـ 2,8 مليار دولار حيث لم تحصل الحكومة منه سوى على2,6 مليار دينار وإلغاء بقية المبلغ نهائيا اي ما يقابل 3500 مليار وذلك بسبب عدم إتمامها للشروط الموضوعة والمطلوبة كاملة والتي سموها اصلاحات.

وعلى الرغم من تحذيراتنا في حزب التحرير وتحذيرات عديد الخبراء الاقتصاديّين من الارتدادات الكارثيّة لهذه “الإصلاحات” على الصعيد السيادي لتونس وتسليم الاقتصاد المحليّ والثروات والمقدرات للقطاع الخاص وإلغاء الدور الاجتماعي والرعائي الذّي تضمنه الدولة لصالح الفئات الضعيفة والمتوسّطة، إلا أنّ الحكومات المتعاقبة مضت جميعها قدما في تنفيذ الشروط التي وضعها صندوق النقد الدوليّ تحت عنوان “إعادة تأهيل الاقتصاد التونسي”.

وفيما يخص قول الوزير أنهم -صندوق النقد- “متفائلون خيرا في تونس ويعلمون أن الظرف صعب جدا” نذكّر حضرته بالتقارير التي كانت تصدر عن الصندوق والتي تصف الوضع الاقتصادي بالجيد وأن هناك إصلاحات جدية وأن نسبة النمو في تصاعد، بينما كان المشاهد المحسوس في واقع الأمر يجد أن الإحصائيات التي تنشرها مؤسسات الاحصاء تكذب تلك التقارير وتنطق بما هو مخالف لها تماما، فما هي إلا مجرد حبر على ورق وإن تزينت بأرقام ملؤها الكذب والبهتان، وأكبر دليل على ذلك الفترة التي سبقت اندلاع الثورة في تونس والتي أصدر فيها الصندوق تقارير مالية تصف الوضع الاقتصادي على أنه في أحسن أحواله؛ فجاءت الثورة وبينت هشاشة الاقتصاد وعدم قدرته على تجاوز الصعوبات، بل على العكس دخل في دوامة لن يخرج منها ما دام أن القائمون عليه متفقون على الاستمرار في تبني الاقتصاد الرأسمالي ومؤسساته.

إنه وبعد كل هذه السنوات من الثورة والنجاح الشعبي الباهر الذي أطاح بنظام الديكتاتور العميل, ليس لأجل عيون الديمقراطية والرأسمالية كما يروّج الباعة الموكلون من نخب وساسة أتباع, يتضح وبمرور كل تلك الرئاسات والحكومات أن التونسي وسيادته في بلاده هو آخر اهتمام الأجندات السياسية لهؤلاء الوكلاء المفضوحين الذين برهنوا عاما بعد عام أنهم أضعف من إدارة اللحظة التاريخية التي يعيشها المسلمون بعامة وأهل تونس بشكل خاص, إذ يبيتون على زخم الاحتجاجات والرفض ويستفيقون على المحاسبة والمطالبة بها لكل من يمكر بهم السوء ويرفضون كل إسقاطات النخب المفروضة والمستوردة.

وفي الختام نقول:

إن تونس الثائرة على جميع الأصعدة, تونس التي يأبى أهلها العيش تحت ظل من ينزل بهم نزل المهانة والتبخيس.. لا يليق بها حكام رويبضات كهكذا منهزمين منبطحين بين يدي أذرع الاستعمار وأدواته. تونس التي مهدت لعهد جديد من النضال الحقيقي والعمل على إزاحة أعداء الإسلام والمسلمين وأعداء الانسانية جمعاء, أصحاب الحضارة الرأسمالية التي تزعم أن خالق الكون لا دخل له بموضوع المال أو تسيير أمور العباد؛ التي أنتجت تشريعات ظالمة ومؤسسات مالية سارت في منحى منحرف أهملت الإنسان واعتبرته مجرد رقم، واهتمت بتكثير المال وتنويعه، ووسّعت الهوة بين الأثرياء والفقراء، وقنَّنت للنهب تحت مسميات مختلفة… وصندوق النقد الدولي هو حجر من الأحجار التي لا يستغني عنها البناء الرأسمالي الذي بدأ يترنح بعد أن اهتزت جذوره وأسسه نتيجة للأزمات المتراكمة، حتى إن الكثير من المحللين الاقتصاديين فقدوا الثقة في الكثير من أساسياته. فكل هذا التيه الذي يعيشه العالم هو نتيجة طبيعية للرأسمالية بكل ما تحمله من فكر ومؤسسات.

فالأنظار أصبحت متوجهة إلى الإسلام باعتباره الوحيد القادر على تصحيح المنحى وإعادته إلى جادّته، خاصة مع ما يمتلكه من موروث فقهي وتاريخي يجعله في وضع طبيعي لتحقيق الرخاء لدى كافة شعوب والعالم. إن الإسلام وتشريعاته الاقتصادية المتميزة أثبتت جدارتها تاريخيًا في الارتقاء بالإنسان والمجتمع، خاصة وأنها تشريعات منبثقة عن فكرة كلية صحيحة تجعل هذا الكون والإنسان والحياة يرى بنور الله؛ فتستقيم الدنيا كما يشاؤها خالقها. وتكف أيادي العابثين بشكل نهائي.

أحمد بنفتيته

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

كفى عبثا بمصير البلاد
رغم عشر سنوات من انطلاق الثورة على المنظومة التي غرسها الاستعمار في تونس، إلا أنّ الواقع لم يتغير والنظام لم يسقط وإن زالت بعض الوجوه، وأتي بوجوه...
الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا ...
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة
بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع بخدماته أن نتسا...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
في الذّكرى الرّابعة لاستشهاد البطل القسّامي محمّد الزّواري: ويتواصل نزيف العلماء والعقول والكفاءات الإسلاميّة

ونحن نقف اليوم بإزاء الذّكرى الرّابعة لاستشهاد البطل القسّامي المهندس محمّد الزّواري برصاص الغدر الصهيونيّ يتواصل نزيف العلماء والخبراء والعقول...

Close