النظام الحالي في تونس هو السلالة الجديدة من فيروس النظام السابق

النظام الحالي في تونس هو السلالة الجديدة من فيروس النظام السابق

خلال كلمته بمناسبة رأس السنة الميلادية، قال رئيس الدولة قيس سعيد إن سنة 2020 لم تكن عادية على جميع المستويات في تونس وفي سائر دول العالم. 

ثم لم يلبث إلا أن عاد سريعا ليصور نفسه ضحية مؤامرة كونية كما دأب على ذلك منذ وصوله إلى سدة الحكم، معتبرا أن “من يتهيأ أنه قادر على المغالطة بل حتى مجرد التأثير من اي موقع كان فإنه كمن يلهث وراء السراب”، متابعا ” كان الألم شديدا لأن المنظومة ما تزال تشتغل كما كانت منذ عقود من نفس السلالة، كهذه الجائحة التي تطورت وأفرزت سلالة من نفس الجنس الأول (في إشارة إلى فيروس كورونا) واليوم نحن بحاجة إلى لقاح من صنف جديد لكن غير مستورد يعيد للثورة وهجها ولتونس ومؤسساتها وعافيتها عبر تصور يقوم على تحقيق الاهداف التي سقط من اجلها الشهداء”. 

أزمة نظـــام

هذه هي خلاصة كلمة الرئيس الذي لا يزال من خلال خطاباته المتكلفة ونبراته المصطنعة إقناع جمهور المستمعين بأنه جاء من رحم الثورة وأنه يعمل على تحقيق أهدافها، حفاظا على رصيده “الثورجي” المتآكل، فقط من أجل شد انتباه الغافلين وتعليق آمالهم على سراب الشعبوية المفرطة، في الوقت الذي تعمل فيه المنظومة على استعادة أنفاسها ولملمة شتات “الدولة” الوطنية الضيقة بمفهومها الجاهلي المناقض لما جاء به الإسلام، ونظامها الجمهوري العلماني المتآكل الذي يكرس فصل الدين عن حياة الناس، ويبني مزيدا من المستوطنات التشريعية الرأسمالية على أرض الزيتونة، بما يمكن الاستعمار من إحكام قبضته على البلاد والعباد.

ورغم أن سياق كلام الرئيس كان يريد أن يؤكد على حيوية مؤسسات الدولة، وعلى سلامة المنظومة الحالية ممن يتربص بها (على حد رأيه)، فإن استعماله لمعجم الوباء جعله يسقط في فخ أعماله وأقواله، حيث شبّه المنظومة الحالية بالجائحة التي أفرزت سلالة من نفس الجنس الأول، وهو تشبيه يؤكد أن المنظومة هي أشبه بالجائحة، بل يعكس مستوى الحالة المرضية التي تعيشه المنظومة نفسها، والتي برزت حتى من خلال خطاب الرئيس الذي زعم أن لديه العلاج باقتراحه لقاحا من صنف جديد، ولكنّه يؤكد لشعبه تأكيدا إضافيا بأن النظام الحالي في تونس هو السلالة الجديدة من فيروس النظام السابق. 

ومع أن أزمة النظام التي نعيشها اليوم تتجاوز شخص الرئيس تجاوزا كليّا، إلا أن “سيادة” الرئيس مصرّ كل الإصرار على مزيد شرح الحالة المرضية وربطها بشخصه، حيث اشتكى خلال نفس الكلمة ممن جعله يشعر بكونه يعيش في كوكب آخر، في إشارة إلى حالة “التوحدّ” السياسي التي يعيشها ساكن قرطاج…

إن الأزمة التي يعيشها عالم اليوم، هي أزمة حضارية بامتياز، وهي أزمة عالمية مرتبطة أساسا بالنظام الرأسمالي المتحكم في الموقف الدولي والعلاقات الدولية، ولا عجب أن تلقي بظلها على بلاد العالم الإسلامي ومنها تونس، لأن الفساد من متلازمات انتشار الرأسمالية التي تتهيأ لمرحلة أشد وقاحة ووحشية من سابقتها، والمرور بالشعوب من عهد الاستعمار إلى عهد الاستعباد. 

ولذلك من الحمق والغباء السياسي بمكان، أن يعتبرها البعض أزمة محليّة تستوجب حلّا وطنيّا، لأن الوطنيّة نفسها هي وصفة استعمارية مسمومة تُؤبد الحالة المرضية التي تعيشها أمة الإسلام بشكل استثنائي منذ سقوط دولة الخلافة سنة 1924، فضلا على أن المطالبة بحلّ وطني وحوار وطني هي حلول مستهلكة عفا عليها الزّمن، ولا تشبع جوعة أمة تتوق إلى الوحدة والرفعة والعزة والكرامة أكثر من أي وقت مضى…

إن الحكّام الذين تخيّرهم الغرب للتعامل معهم في مرحلة ما بعد الثورات، هم من جنس المنظومة السابقة، بل هم أشد مكرا وجرما وخيانة لدماء الشهداء، فهم لا يفقهون معنى “لا ينفع العقّار فيما أفسده الدّهر” ولم يبلغهم بأن “لكل داء دواء يستطبّ به إلا الحماقة أعيت من يداويها”… 

ما كشفه عام الوبــاء

ولذلك، جاء “عام الوباء” (2020) ليبرز هذه الحقيقة للشعوب، بل ليبرز لقادة الأمة ومن يعملون لإعادة نهضتها ما هو أهم بكثير من واقع حكام العجز السياسي والتمسح على أعتاب المسؤولين الكبار… إنها أزمة الرأسمالية العالمية التي يتألم بألمها هؤلاء الحكام الجدد. 

إن الغرب يعيش اليوم، على وقع أزمة تهدد وجوده، وتعصف لا بمنظومته الفكرية المفلسة فحسب، بل بكامل منظومته السياسية والاقتصادية، في الوقت الذي عاش فيه عشرية مليئة بالأحداث الأليمة (بالنسبة إليه) بداية من تونس منطلق شرارة الثورات ومرورا بليبيا والجزائر ومصر واليمن والعراق ولبنان والسودان ووصولا إلى سوريا التي شيّبت رأس أوباما، ولا يزال الغرب وعلى رأسه أمريكا غارقا في مستنقعات صناعة وتصدير الإرهاب ودعم الأنظمة القمعية على غرار النظامين السوري والمصري، في الوقت الذي تتشدق فيه كبرى دول الغرب بالحرية التي ينشرونها على وقع طلقات الرصاص والعبوات الناسفة والبراميل المتفجرة، والديمقراطية التي تجري من تحتها أنهار من الدماء، ليؤسسوا لأشد فترات الملك الجبري دموية ووحشية في بلادنا. 

إن هذا الغرب، صار يدرك أن السحر سينقلب قريبا على الساحر، وأنه صار وقت حسابه على كل جرائمه بداية من حقبة الاستعمار والإطاحة بكيان الدولة الإسلامية وإلى يوم الناس هذا. ولذلك خيّر اللعب بآخر أوراقه، وكشف جميع عملائه من الموالين لكيان المسخ يهود، ومن يدري ما ستكون عليه القائمة النهائية. ومع ذلك، نجده عاجزا فعلا على إيجاد حلّ لأزماته المتعاقبة، بل كلّ ما فعله تحت غطاء الكورونا، ليس إلا محاولة لكبح جماح الأمة وتكبيل نشاطها وقطع صلواتها، وتعطيل سير عجلة التاريخ باتجاه تحررها النهائي من الاستعمار، واضعا أمامها كل المكبلات والعراقيل، طامعا في أن ينسيها بأنها أمة نصر وشهادة، مستغلا تلك الدساتير الملغومة والقوانين الرأسمالية المشؤومة التي تفرخ سلالات لا متناهية من فيروس الفساد التشريعي المعرض عن شرع الله وعن نظامه الربّاني، فتنبعث الجائحة من داخل المستنقعات البرلمانية ويعمّ وباءُ الرأسمالية بروائحه الكريهة كل الأرجاء والأركان مخلفا الشقاء والخراب والدمار الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، تصديقا لقوله سبحانه: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”. سورة الروم – الآية 41. 

ذلك أن الغرب الرأسمالي ظلّ مراوحا مكانه منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، ولم تنجح كذبة “الارهاب” التي افتعلتها وروّجت لها أمريكا في الحد من تنامي وانتشار الإسلام بوصفه البديل الحضاري المنقذ من جحيم الرأسمالية المعاصرة، ولا افتعال نسخة مشوهة من الخلافة لصرف الأذهان عن الخلافة الراشدة الموعودة، ويكفي لفهم حقيقة وصول الغرب إلى طريق مسدود التمعن في مسايرة كل دول الغرب لأمريكا وعجزهم الواضح عن الخروج عن سقف أحلافها ومنظماتها أو حتى مجرد التفكير في إنشاء منظمات دولية بديلة عما جادت به قريحة الأمريكان، باستثناء بعض المحاولات المحتشمة أو الفاشلة. فكيف ينتظر أن يكون الحلّ في الإقبال على النظام الجمهوري العلماني الذي صنع على أعين الغرب، وطوّر سلالته الجديدة في مرحلة ما بعد الثورات للحفاظ على مصالحه؟؟؟ أمن أجل هذا الدور جيء بقيس سعيد؟

الدواء الناجع للبشرية

إن الخلافة اليوم، هي الدواء الكافي والبلسم الشافي، لجراح الأمة ولكل الأمراض والأسقام التي ابتليت بها نتاج تطبيق الرأسمالية عليها، واستيراد كل الحلول المعرضة عن شرع الله خالق الكون والإنسان والحياة، بل هي المخلص للبشرية جمعاء من ضنك الرأسمالية وشقائها واستعبادها لبني الإنسان. 

وإذا كانَ مِنْ بينِ المسلمينَ مَنْ لا يزالُ يظنُّ الخلافةَ بعيدةَ المنالِ والتّحقُّق، ولم يدركِ التحوَّلَ الذي حصلَ للأمةِ بجميعِ قِطاعاتِها وتأثُّرَها بفكرةِ الخلافة، فَلْيَرْقُبْ تصريحاتِ وتحذيراتِ قادةِ الغربِ من قيامِ الخلافة، وليعد إلى تقرير مجلس الشيوخ الفرنسي الأخير الذي دفع ماكرون إلى المواجهة المباشرة مع الإسلام ونبيّ الإسلام بدعوى حريّة التعبير، ليُواجه بالردّ والصدّ ويتكبدّ خسائر اقتصادية فادحة. هذا دون أن يكون للمسلمين دولة توقف أمثال هذا المتعجرف (الذي قبّل قيس سعيد كتفيه) عند حدّه. 

قادة الغرب، يُراقبونَ حركةَ الأمةِ عن كَثَب، ويضعون في صفوفها كل أجهزة الاستشعار، ولقدْ أصابَهُمُ الذُّعْرُ جراءَ إدراكِهِمْ لِدُنُوِّ الخلافة، وذلك لأنهم يُدرِكُونَ أنّ عودتَها هو نهايةُ استعمارِهِمْ لِبِلادِ المسلمين وقَطْعِ أنابيبِ النفطِ والغازِ والمالِ والثَّرَواتِ التي يسرقونَها جهارا نهارا من بلادِ المسلمين، وهم يدركونَ أنّ عودةَ الخلافةِ هو إنقاذُ البشريةِ من ظُلْمِهِمْ وفسادِهِم، ولعلّ تآمُرَهُمْ على ثورةِ الشامِ المباركةِ وإيعازَهُم لأداتِهِمُ الأسدِ بإثخانِ الجِراحِ في المسلمينَ هو مُؤشِّرٌ واضحٌ على مدى خوفِهِمْ من حركةِ الأمةِ وثورتها ومدى تَحَسُّبِهِمْ من أنْ تُسْفِرَ عن خلافةٍ على منهاجِ النبوة….

إنّ إقامةَ الخلافةِ هي قضيةُ المسلمينَ السياسيّةُ، بإقامَتِها تُحَلُّ كلُّ قضايا الأمةِ التي تفرَّعَتْ عن هَدْمِها، وبإقامةِ الخلافةِ تُحَرَّرُ فلسطين، فالخلافةُ هي الطريقُ العمليُّ الوحيدُ لتحريرِ فلسطين، بعد تقاعُسِ الحكّامِ عن تحريكِ جيوشِهِمْ لِتَحْرِيرِها، إذْ لا حلَّ لقضيةِ فلسطينَ سوى بتحرُّكِ الجيوشِ لتحريرِها واقتلاعِ كِيانِ يهود، بعيدا عن الخطابات الرنّانة لهؤلاء الحكام الأنذال منذ زرع هذا الكيان المسخ وإلى يوم الناس هذا. 

وإزاء ذلك كلِّه فإنّ حزبَ التحريرِ ماضٍ في سَعْيِهِ لإقامةِ الخلافةِ لا يَحُولُ بينَهُ وبيَن تحقيقِها بطشٌ أو إجرام، أو تضليلٌ أو تضييق، وهو يُجَسِّدُ بإذنِ اللهِ قَوْلَ الرسولِ الأكرم (لا تزالُ طائفةٌ من أمتي على الحقِّ ظاهرين، لِعَدُوِّهِمْ قاهرين، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خالَفَهُمْ ولا مَنْ خَذَلَهُم، قِيلَ أينَ هُمْ يا رسولَ الله؟ قالَ في بيتِ المقدسِ وأكنافِ بيت المقدس)، وإننا نرى تَحَقُّقَ الخلافةِ حقيقةً كائنةً بإذنِ الله، تُؤَكِّدُها حقائقُ أربع؛ وَعَدُ اللهُ بالاستخلافِ والتمكين (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، وبُشرى رسولِهِ بعودةِ الخلافة (ثمّ تكونُ خِلافةٌ على مِنهاجِ النبوّة)، وأمةٌ حيّةٌ فاعلة، تُقبلُ على العملِ لإقامةِ الخلافة، وحزبٌ مخلصٌ للهِ سبحانه، صادقٌ مَعَ رسولِهِ صلى الله عليه وسلم، يعملُ مَعَ الأمةِ ومِنْ خِلالِها. (وَيَقُولُونَ مَتَىْ هُوَ قُلْ عَسَىْ أَنْ يَكُونَ قَرِيباً)

أما قيس سعيد، ومن لفّ لفّه من حكام الضرار، فنهايتهم مزبلة التاريخ قريبا بإذن الله. 

قال تعالى: “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”. الرعد – الآية 17.

م. وسام الأطرش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

كفى عبثا بمصير البلاد
رغم عشر سنوات من انطلاق الثورة على المنظومة التي غرسها الاستعمار في تونس، إلا أنّ الواقع لم يتغير والنظام لم يسقط وإن زالت بعض الوجوه، وأتي بوجوه...
الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس المتضررين من الحجر الشامل خصوصا ...
في الضّمان الاجتماعي: شتّان بين رعاية الشّؤون في الإسلام والعدالة الاجتماعية في الرّأسماليّة
بما أنّ الأصل في الأفعال التقيّد بالحكم الشرعي فمن الواجب علينا بصفتنا مسلمين وقبل مباشرة التّعامل مع الضّمان الاجتماعي والانتفاع بخدماته أن نتسا...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
الحوار الوطني.. طاولة الفاشلين والمرتهنين للتجَمّلِ بالكذب من جديد

   أي رجاء ينتظره عاقل بعد اليوم من منظومة سياسية يعترف رأس النظام فيها بأنها "هي نفسها لم تتغير وهي كجائحة...

Close