كفى عبثا بمصير البلاد

كفى عبثا بمصير البلاد

رغم عشر سنوات من انطلاق الثورة على المنظومة التي غرسها الاستعمار في تونس، إلا أنّ الواقع لم يتغير والنظام لم يسقط وإن زالت بعض الوجوه، وأتي بوجوه لا تقل عنها إجراماً وقبحاً! والسبب في ذلك هو الخطأ في تشخيص موطن الداء وأس البلاء؛ فالمشكلة الأساسية تكمن في النفوذ الأجنبي ومنظومته الحضارية الرأسمالية التي يتحكم من خلالها في البلاد، فيصنع العملاء والفاسدين ويرعاهم ويسخر لهم الإعلام الفاسد ويحميهم بقوانين ومراسيم ويفرضهم على المشهد السياسي عبر تزييف إرادة الناخبين وبضغط مؤسساته المالية، منظومة متكاملة من الفساد والإفساد والنهب، يتحكم الغرب وسفراؤه بخيوطها وأدواتها، وكلما نجح الناس في إزاحة عميل استبدل به الغرب من هو أسوأ منه، ومن الخطأ الانشغال بذنَب الأفعى وترك الرأس ينفث سمّه في جسد الأمة.

اليوم تتجدد الاحتجاجات ويتجدد معها الالتفاف والتضليل من طبقة سياسية (حكام ومعارضة) تتصارع فيما بينها لتقدم نفسها على أنها الخادم الأمثل للغرب ومصالحه الاستعمارية، فمنهم من يؤيد الاحتجاجات ولو من خلف ستار ليفرض وضعية دستورية تمكنه من القفز إلى سدة القرار ليكون حارسا أمينا للمنظومة الغربية وموظفا ساميا لدى الدوائر الاستعمارية، ومنهم من يصف الاحتجاجات والمحتجين بالعصابات الملثمة ويتمسك بالمنظومة الفاسدة التي ثار عليها الناس وأدت إلى رهن البلاد بجبل من الديون الخارجية وبأعباء ثقيلة شلت قدرتها على النهضة والتنمية الاقتصادية الصحيحة، وأورثت أهلها الفقر والتهميش وغلاء المعيشة والبطالة وانسداد الآفاق، والتفاوت الجهوي، بالإضافة لتردي الخدمات الصحية والتعليمية.

وبين هذا وذاك يبقى الشعب تائهاً يريد تغيير الحال ولا يعرف كيف يحقق المنال؟!

إن السبب المركزي الذي أدى إلى إنتاج النظام نفسه الذي ثار عليه الناس في 17 كانون الأول/ديسمبر 2010م ومكَّن الغرب من التحكّم أكثر في البلاد؛ تخطيطا وتشريعا وتنفيذا، هو افتقاد الثائرين لمشروع حضاري بديل عن المنظومة الغربية، بالإضافة لافتقادهم إلى قيادة سياسية مخلصة وواعية، مما أدى إلى إنهاك المحتجين بالمطالب الجزئية التي تلهيهم بأعراض المشكلة دون جوهرها، فضلا عن إقصاء الإسلام عن الحكم والتشريع حتى لا يبقى للناس أمل في التغيير.

لقد أصبح التغيير الجذري اليوم أمراً يفرض نفسه على أهلنا في تونس، ولا يوجد أي بديل أو خيار غير العمل الجاد لتغيير الواقع على أساس الإسلام، لذلك يجب أن تتوحد الجهود وراء قيادة مخلصة لربها متمسكة بشرعه، مدركة لأصل القضية، تعرف العدوّ وأحابيله، لقطع أياديه العابثة ببلدنا ومصيرنا، وأن يكون شعارنا “الشعب يريد تطبيق شرع الله”.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية تونس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*


x

مقالات مشابهة

الشّهيد محمّد الدّغباجي, فارس الخلافة الذي ترجّل بسقوطها
ما من شكّ في أنّ ذاكرة الأمّة في تونس مثخنة بالجراح مثقلة بالهموم تتزاحم فيها من الأحداث الجسام بحلوها ومرّها ما هو كفيل بتأثيث أيّام السّنة عشرا...
في ذكرى العدوان الصليبي على العراق وذكرى المئوية لهدم الخلافة, بابا الفاتيكان في العراق, ماذا يريد؟
يصل بابا الفاتيكان رئيس الكنيسة الكاثولكية إلى العراق يوم 5\3\2021 في الذكرى الثامنة عشر للهجوم الصليبي على العراق في مثل هذا الشهر شهر آذار عام ...
في دولة الخلافة وحدها يجوع الحاكم ليشبع المحكوم
أفلت شمسها وغرق بعدها المسلمون في بحر ظلماته بعضها فوق بعض ألقاهم في قاعه حكام يرون في الحكم غنيمة تستحق أن يبيعوا من أجلها ذممهم ويفرطون في بلاد...
جريدة التحرير
اقرأ المقال السابق:
الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟
الحجر الصحي الشامل.. هل هو حل صحي أم قرار متطرف؟

يشهد التونسيون ثاني حضر صحي شامل في بيوتهم منذ بداية جائحة كورونا, ولا يزال يثير هذا الإجراء السياسي حفيظة الناس...

Close